د.بدر مبارك
مصر

هل المصريون محصنون من الهشاشة النفسية ؟!

لا توجد قاعدة علمية تقول إن شعبًا بعينه «أقوى نفسيًا» بطبيعته.. لكن البيئة المصرية قد تصنع بعض أشكال الصلابة النفسية عند قطاعات واسعة من الناس، وفي الوقت نفسه قد تصنع أنواعًا أخرى من الهشاشة.

وأظن أن التفريق هنا مهم جدًا.


ما الذي قد يجعل المصري أكثر تحمّلًا؟

1- الاحتكاك المبكر بالضغوط
في مصر، قطاعات كبيرة من الناس تتعامل مبكرًا مع ضغوط المال والعمل والمسؤوليات الأسرية وتأخر بعض الأهداف. هذا قد يدرّب الإنسان على احتمال الإحباط وتأجيل الرغبات.
لكن هذا لا يعني أن المعاناة جيدة في ذاتها؛ الفقر المزمن والضغط المستمر قد ينتجان أيضًا قلقًا واكتئابًا وشعورًا بالعجز.

2- الأسرة الممتدة
المصري غالبًا لا يعيش نفسيًا بمفرده حتى عندما يعيش في منزل مستقل.
الأخ، الأخت، الأم، الأب، العم، الخال، أبناء العائلة.. شبكة اجتماعية يمكن أن تمتص الصدمة. وهذه نقطة مهمة جدًا؛ لأن الإنسان قد يتحمل أزمة ضخمة إذا كان يشعر: «في ناس ورايا، ولو وقعت هيمسكونى».

3- ثقافة التحمل
عبارات مثل:
«معلش»..«ربنا يسهل» .. «ربنا يعوض»..«كلها بتعدى».
ليست مجرد كلام شعبي.
أحيانًا هي آليات نفسية للتكيف؛ تعطي الإنسان طريقة لتقبل شيء لا يستطيع تغييره.. لكن لها وجهًا آخر: إذا تحولت «معلش» إلى كبت دائم، فقد يخفي الإنسان ألمه بدل أن يعالجه.


4- الدين
الإيمان بأن المصائب جزء من الابتلاء، وأن للمعاناة معنى، وأن الإنسان ليس متروكًا وحده أمام العالم، يمكن أن يكون مصدرًا قويًا للصمود لدى المؤمنين.. لكن أيضًا لا ينبغي أن نستخدم الدين كبديل عن العلاج النفسي عندما يكون الشخص في حالة مرضية.


5- المسؤولية المبكرة
كثير من المصريين يتحملون مسؤوليات أسرية في سن مبكرة نسبيًا.
وهذا يمكن أن يبني شيئًا مهمًا جدًا:


«أنا لا أستطيع الانهيار؛ هناك أشخاص يعتمدون عليّ».
وهذه أحيانًا تصنع قدرة عالية على الاستمرار.. لكن هناك مفارقة مصرية مهمة قد يكون المصري صلبًا جدًا في مواجهة الظروف، وهشًا جدًا أمام العلاقات.


يعني يستطيع تحمل: ضيق المال، ضغط العمل، المرض، السفر، المسؤوليات، المشاكل اليومية.

لكن قد ينهار من: التجاهل، الخيانة، الطلاق، فقدان الابن، الإهانة، أو الشعور بأنه غير مُقدَّر.


لماذا؟
لأن الأسرة والعلاقات في الثقافة المصرية ليست مجرد «جزء من الحياة»، هي جزء كبير من هوية الإنسان. ولذلك فإن تهديد العلاقة قد يشعر الإنسان بأنه تهديد لذاته.


وهناك عامل آخر: «نظرة الناس»
في المجتمعات التي تكون فيها الأسرة والمجتمع المحلي مهمين، يصبح السؤال: «الناس هتقول إيه؟».


قوة اجتماعية ضخمة قد تساعد الإنسان على ضبط نفسه وتحمل المسؤولية، لكنها قد تسبب أيضًا هشاشة شديدة؛ لأن تقدير الذات يصبح مرتبطًا بالصورة الاجتماعية.


فتجد شخصًا يتحمل خسارة المال، لكنه لا يتحمل أن يقال عنه: «اتطلق».. «فشل».. «ما اتقدرش»
وهنا يصبح العار الاجتماعي أحيانًا أقسى من الخسارة نفسها.


والأهم:
المصري ليس بالضرورة «أكثر صلابة»… ربما هو أكثر تعودًا على التحمل.
وهناك فرق هائل بين التحمل: «أنا هكمل رغم أنني متألم».
وبين الصلابة النفسية: «أنا هكمل، وسأفهم ألمي وأتعامل معه دون أن يدمرني».


قد يكون الإنسان الأول شديد القوة في الظاهر، لكنه يحمل بداخله تراكمات هائلة.. وهذا يفسر شيئًا نراه كثيرًا: شخص يتحمل 20 سنة.. ثم ينهار فجأة أمام أزمة تبدو صغيرة، الأزمة الأخيرة لم تكن وحدها السبب، كانت آخر قطرة.


لذلك لو أردنا رسم الصورة المصرية:


عوامل قد تزيد الصلابة:
الأسرة والدعم الاجتماعي.الدين والمعنوى.التعود على تجاوز الأزمات. السخرية وروح المرح تحمل المسؤولية مبكرًا. المرونة اليومية وحل المشكلات. القدرة على التعايش مع عدم اليقين.


عوامل قد تزيد الهشاشة:
الخوف من كلام الناس.. كبت المشاعر.. ضعف ثقافة العلاج النفسي في بعض البيئات.. ربط قيمة الإنسان بالزواج والنجاح والمكانة.. المقارنة الاجتماعية..الضغوط الاقتصادية المزمنة.
السلطة الأبوية أوالعلاقات المسيطرة.. اعتبار طلب المساعدة «ضعفًا».


والنتيجة المثيرة للاهتمام:
المصري قد يكون شديد التحمل، لكن ليس بالضرورة شديد السلام النفسي، وهذه نقطة أعتقد أنها تستحق التأمل جدًا.
لأن هناك فرقًا بين أن تقول: «أنا قادر أعيش رغم كل شيء»
وبين: «أنا أعيش رغم كل شيء، دون أن يتحول كل شيء إلى جرح داخلى».
الأولى قدرة على التحمل، والثانية نضج نفسي.


وتبقى فى النهاية كلمة

إن البيئة المصرية، بما تتميز به من ترابط أسري وتكافل اجتماعي وعمق ثقافي وديني، تدفع في تعزيز قدرة الفرد على التكيف مع الضغوط وتحمل المسؤوليات، بما يميل به نحو الصلابة النفسية.

فخصوصية المصرى لا تكمن في غياب المعاناة، بل في قدرته على مواجهتها والتعايش معها والاستمرار رغم تحدياتها.


وهو السر فى استمرار هذه الحضارة على هذه الأرض منذ الأف السنين.


الاكثر قراءة
بعد أن وصل كيلو العنب والمشمش لـ 150 جنيها.. أسعار فاكهة صيف 2025 أصبحت فى المشمش

مع بداية صيف 2025، شهدت الأسواق المصرية موجة غير مسبوقة من ارتفاع أسعار الفاكهة الصيفية، مما أثر بشك...

من اليوم.. شهادة مخالفات المرور إلكترونية بدلا من الشهادة الورقية «براءة الذمة»

استحدثت وزارة الداخلية بالتعاون مع النيابة العامة ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات شهادة مخالفا...

مشروع الهيدروجين الجنوبى

نشر المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية مقالًا للباحثة أمل إسماعيل، تناولت فيه استراتيجة الدو...

التضخم.. شبح يطارد المجتمع المصرى

‎يواجه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المصرى‭ ‬تحديات‭ ‬ضخمة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬حيث‭ ‬تحولت‭ ‬أسعار‭ ‬السلع...

الموصى به
البنك المركزى يكشف أسباب تراجع معدل التضخم السنوى فى مايو 2026

شهد المعدل السنوي للتضخم العام في الحضر تباطؤًا طفيفًا مسجلًا 14.6% في مايو 2026 مقابل 14,9% في أبري...

مجلس النواب يوافق على الموازنة الجديدة 2027/2026

وزير المالية:  صرف مرتبات يوليو بالزيادات الجديدة.٣٠٪ زيادة في مخصصات قطاع الصحة بالموازنة الجديدة...

بعد منافسة دولية.. مصر تقتنص استضافة المهرجان العالمى لريادة الأعمال 2026

تحت رعاية رئيس مجلس الوزراء القاهرة تستعد لاستقبال أكثر من 10 آلاف مشارك من 70 دولة فى أكبر مهرجان...

التضخم.. شبح يطارد المجتمع المصرى

‎يواجه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المصرى‭ ‬تحديات‭ ‬ضخمة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬حيث‭ ‬تحولت‭ ‬أسعار‭ ‬السلع...

تابعونا


جارٍ التحميل...