د.محمد علاء الدين

مصر في مرآة الأونكتاد: هل تتحول الاستثمارات الأجنبية إلى قوة إنتاجية وتصديرية؟

كشف تقرير الاستثمار العالمي الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» (UNCTAD) عن استمرار احتفاظ مصر بموقعها كأكبر مستقطب لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا، بتدفقات بلغت نحو 15.5 مليار دولار.

 

ويعكس هذا الأداء جاذبية السوق المصرية، وموقعها الاستراتيجي، وقدرتها على استقطاب رؤوس الأموال في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي ارتفاعًا في مستويات عدم اليقين، وتغيرًا متسارعًا في خريطة الاستثمار الدولي. لكن هذا الرقم، رغم أهميته، يجب ألا يكون نهاية النقاش، بل بدايته.

 

فالسؤال الاقتصادي الأهم لم يعد: كم استثمر الأجانب في مصر؟ وإنما: ماذا أضافت هذه الاستثمارات إلى الاقتصاد المصري؟ وهل تحولت التدفقات المالية إلى طاقات إنتاجية جديدة، وصادرات، وتكنولوجيا، وفرص عمل، وسلاسل قيمة محلية؟

في أدبيات التنمية، يمثل الاستثمار الأجنبي المباشر مؤشرًا مهمًا على جاذبية الاقتصاد وثقة المستثمرين، لكن حجم التدفقات وحده لا يكفي لقياس أثرها التنموي.

 

فهناك فارق بين الاستثمارات اتأسيسية الجديدة (Greenfield) التي تنشئ مصانع ومشروعات وتضيف طاقات إنتاجية، وبين التدفقات المرتبطة بالاستحواذات والصفقات وإعادة هيكلة الملكية، والتي قد توفر موارد نقدية مهمة دون أن تضيف بالضرورة قدرًا مماثلًا من الطاقة الإنتاجية الجديدة.

ومن هنا، يتمثل التحدي الحقيقي أمام مصر في الانتقال من جذب رأس المال إلى تعظيم القيمة الاقتصادية لرأس المال، ويتطلب ذلك توجيه جزء أكبر من الاستثمارات إلى الصناعات التحويلية، والتكنولوجيا، والدواء، والصناعات الهندسية، ومكونات السيارات، والخدمات الرقمية، والطاقة المتجددة، بما يرفع الإنتاجية ويخلق وظائف ذات قيمة مضافة.

 

كما يجب تعزيز الروابط بين الشركات الأجنبية والاقتصاد المحلي من خلال تطوير قاعدة الموردين المصريين، وزيادة المكون المحلي، ونقل التكنولوجيا والمعرفة، بما يسمح للشركات المصرية بالاندماج بصورة أعمق في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية.

 

وتملك مصر مقومات مهمة لتحويل موقعها الجغرافي، وقناة السويس، وبنيتها الأساسية، واتفاقياتها التجارية إلى منصة إنتاج وتصدير للأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية.

ولذلك، ينبغي أن يصبح الاستثمار الموجه للتصدير أحد المحاور الرئيسية للسياسة الاستثمارية، خاصة في القطاعات القادرة على توليد النقد الأجنبي وتقليل فجوة التجارة.

وفي الوقت نفسه، تفتح التحولات العالمية فرصًا جديدة أمام مصر في الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والبنية التحتية الرقمية، والتكنولوجيا النظيفة والخدمات اللوجستية.

 

فالاستثمار في هذه القطاعات لا يوفر رأس المال فقط، بل يمكن أن يعزز تنافسية الاقتصاد المصري ويهيئه لمتطلبات التجارة العالمية الجديدة.

لكن الحفاظ على زخم الاستثمار يتطلب بيئة أعمال أكثر تنافسية ووضوحًا، وتسريع الإجراءات، وتحسين كفاءة الخدمات، وتعزيز الحياد التنافسي، وتمكين القطاع الخاص، بما يجعل مصر وجهة للاستثمارات طويلة الأجل وليس فقط للصفقات الكبرى.

 

وفي النهاية، لن يُقاس نجاح مصر بعدد مليارات الدولارات الداخلة إلى الاقتصاد فقط، وإنما بقدرتها على تحويلها إلى مصانع أكثر، وصادرات أكبر، وتكنولوجيا متقدمة، وسلاسل توريد محلية أقوى، وفرص عمل مستدامة.

 

فالمعادلة الحقيقية للمرحلة المقبلة هي الانتقال من جذب الاستثمار إلى صناعة القيمة، ومن التدفقات المالية إلى قوة إنتاجية وتصديرية قادرة على دعم النمو المستدام.

مصر في مرآة الأونكتاد: هل تتحول الاستثمارات الأجنبية إلى قوة إنتاجية وتصديرية؟
الصناعات التحويلية

إقرأ أيضًا

مقالات

من العبار إلى الحبتور وحتى «رزام».. المواطن المصرى أولا..!!

من العبار إلى الحبتور وحتى «رزام».. المواطن المصرى أولا..!!
مقالات

اقتصاد أمريكا.. مثلها «ذو وجهين»!!

اقتصاد أمريكا.. مثلها «ذو وجهين»!!
مقالات

مساندة تاريخية من أمريكا للين اليابانى ليس عطفاً!..بل هى عيون السندات الأمريكية

مساندة تاريخية من أمريكا للين اليابانى ليس عطفاً!..بل هى عيون السندات الأمريكية
مقالات

علامة إستفهام كبيرة؟!..  إلى أين نحن ذاهبون يارجل وول ستريت؟!

علامة إستفهام كبيرة؟!..  إلى أين نحن ذاهبون يارجل وول ستريت؟!
مقالات

قاعدة بيانات لحماية 11 مليون مواطن!

قاعدة بيانات لحماية 11 مليون مواطن!
مقالات

الاحتياطى النقدى.. أرقام تاريخية رغم الأزمات الإقليمية!!

الاحتياطى النقدى.. أرقام تاريخية رغم الأزمات الإقليمية!!
مقالات

شهادة كيفن وارش أمام الكونجرس الأميركي اليوم..«لن نتسامح مع التضخم»

شهادة كيفن وارش أمام الكونجرس الأميركي اليوم..«لن نتسامح مع التضخم»
مقالات

ترامب يدق ناقوس إفتتاحية وول ستريت اليوم

ترامب يدق ناقوس إفتتاحية وول ستريت اليوم
مقالات

«الدبلوماسية الرقمية للمدفوعات».. كيف يعيد معيار (ISO 20022) تموضع مصر فى جغرافيا المال العالمية؟

«الدبلوماسية الرقمية للمدفوعات».. كيف يعيد معيار (ISO 20022) تموضع مصر فى جغرافيا المال العالمية؟


الاكثر قراءة
التحرش الاقتصادى العالمى

الدول الكبرى تفرض إرادتها على اقتصادات الدول النامية بالـ«بلطجة» اعتادت أذاننا وأعيننا على سماع وقر...

من أوقع العالم فى فخ الديون التراكمية؟!

تلاشت الأيام وتآكلت المراحل ولاحت آفاق العام الجديد 2026، بينما يستعد العالم لإغلاق دفاتره عن العام...

هل ترتاح الأسواق بعد إنتهاء حفل التخفيض؟!

لاشك أن مآلات المشهد النقدى اليوم بعدما فعلها چيروم وخفض أسعار الفائدة بـ٢٥ نقطة أساس فمن الواضح لم...

«فورى» تبدأ نشاطها فى السعودية قريبا

كشف أشرف صبري رئيس شركة فوري لحلول تكنولوجيا البنوك والمدفوعات الالكترونية ،عن إجراء مفاوضات لإضافة...

الموصى به
«فورى» تبدأ نشاطها فى السعودية قريبا

كشف أشرف صبري رئيس شركة فوري لحلول تكنولوجيا البنوك والمدفوعات الالكترونية ،عن إجراء مفاوضات لإضافة...

رئيس جهاز مستقبل مصر: المدينة الصناعية بالدلتا الجديدة تدخل مرحلة التشغيل خلال النصف الأول من العام المقبل

عقد د.بهاء الغنام، رئيس جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، اجتماعًا موسعًا مع مسؤولي مدينة مستقبل مص...

اقتصادية قناة السويس: تسليم 24 وحدة من معدات مناولة الحاويات الحديثة

شهدت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، اليوم بميناء السخنة، مراسم تسليم 24 وحدة من معدات مناولة الحاو...

‎باستثمارات 15 مليون دولار.. مشروع صينى لإنتاج أدوات الإضاءة بالسخنة

وليد جمال الدين: اقتصادية قناة السويس أصبحت الوجهة المثالية للاستثمار بفضل جاهزية البنية التحتية و...

تابعونا


جارٍ التحميل...