رؤية لمستقبل الاتحاد الأوروبى فى ظل الأحداث العالمية والإقليمية الجارية
عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الاوروبى لم يتطرق الشك لأحد أن هناك مخاطر قد تواجة استمرارية الاتحاد الاوروبى وكينونته بل أن أمريكا واليابان وألمانيا وفرنسا قد حذرت بريطانيا آنذاك من أن خروجها من الاتحاد الأوروبي سيؤثر سلبا على مكانتها بوصفها قوة تجارية عالمية وصرح الرئيس الأمريكي باراك أوباما وقتها إن بريطانيا ستأتي في "مؤخرة الصف" في ما يتعلق بإجراء مباحثات مع الولايات المتحدة إلا أن توالى الأحداث خلال عامى 2024 و2025 قد دفعت العرب دفعا للتفكير فى البحث عن بديل للاتحاد الأوروبى والذى يعتبر الشريك التجارى الأهم لدول منطقة الشرق الأوسط العربية.
أولا: ماهية الأتحاد الأوروبى
تأسست الجمعية الدولية المعروفة بالاتحاد الأوروبي على هامش معاهدة ماسترخت المبرمة في عام 1992م وهي عبارة عن تجمع لسبعة وعشرين دولة أوروبية يعتبر نقل صلاحيات الدول القومية إلى المؤسسات الدولية الأوروبية واحداً من أهم المبادئ التي نادى بها الاتحاد الأوروبي مع الحرص على بقاء المؤسسات تحت الحكم بمقدار معين للصلاحيات الممنوحة للدول الأوروبية لذلك ليس من الممكن وصف هذا الاتحاد بأنه اتحاد فيدرالي نظراً لانفراده بنظام سياسي مميز على مستوى العالم ويمارس الاتحاد الأوروبي عدداً من النشاطات ومن أبرز هذه النشاطات صفته كسوق موحد وبعملة واحدة أما عن عملة الاتحاد الأوروبي فيتخذ
الاتحاد من اليورو عملة واحدة ورسمية له كما ينتهج سياسات زراعية موحدة فيما بين دولة بالإضافة إلى سياسة صيد بحري واحدة . تبلغ المساحة الإجمالية للاتحاد الأوروبي نحو 4 ملايين كيلومتر مربع أي ما يعادل نسبة 42.2% من مساحة القارة الأوروبية يعيش فيه نحو 450 مليون شخص يتكلمون 24 لغة رسمية ويشكل المسيحيون نحو 72% من سكانه.
ثانيا: أحداث هددت وستهدد استقرارالأتحاد الأوروبى
الواضح ان الاتحاد الاوروبى بات يواجه مصاعب كبيرة تهدد كينونتة سنتحدث عنها فيما يلى:
أ ــ تصاعد شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة فى أوروبا
تدهور الاحوال المعيشية للمواطنين أدت لزيادة الشعور بالإحباط واليأس وجعلهم أكثر عرضة للتأثر بخطابات اليمين المتطرف التي تقدم حلولاً بسيطة وسهلة للمشاكل المعقدة كما يصور اليمين المتطرف المهاجرين على أنهم تهديد للهوية الوطنية والأمن والاقتصاد ويستغل اليمين المتطرف هذه المخاوف لتقديم نفسه كمدافع عن الهوية الوطنية والقيم التقليدية مما أدى لتزايد شعبيتة.
وهناك دلالات على تصاعد اليمين المتطرف فى الدول الأوروبية تمثلت فى :
(1) في إيطاليا فاز حزب(إخوة إيطاليا) اليميني المتطرف بزعامة جورجيا ميلونى فى الانتخابات العامة لعام 2022 وأصبحت ميلوني أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء فى إيطاليا.
(2) في فرنسا حقق حزب (التجمع الوطنى) اليمينى المتطرف بزعامة مارين لوبان نتائج قوية في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة.
(3) في السويد حقق حزب (ديمقراطيوالسويد) اليمينى المتطرف نتائج قوية في الانتخابات العامة الأخيرة وأصبح جزءًا من الائتلاف الحاكم.
(4) في الانتخابات الأوروبية لعام 2024 استحوذ اليمين المتطرف على غالبية المقاعد في البرلمان الأوروبى.
(5) الانتخابات المبكرة التى حدثت فى 23 فبراير من هذا العام فى المانيا شهدت تواجد مؤثر لحزب (البديل من أجل ألمانيا) اليميني المتطرف .
والجدير بالذكر أنه فى ظل تولى ترامب لرئاسة أمريكا ودعوة ايلون ماسك أقرب المقربين منه آنذاك للناخبين الالمان لاختيار اليمين المتطرف للفوز بالانتخابات التشريعية والذى يمثلة حزب البديل من أجل المانيا والذى تتولى رئاستة اليس فايدل والتى يرشحها الحزب لتولى منصب المستشار وسياسات هذا الحزب تشدد على اغلاق حدود المانيا بالكامل ورد كل المهاجرين غير النظاميين فضلا عن الانسحاب من نظام اللجوء المعتمد فى الاتحاد الاوروبى والأهم أن خارطة الطريق التى أعدها حزب البديل من أجل المانيا تتضمن خروج المانيا من الأتحاد الاوروبى وتخليها عن اليورو.
وقد أدى انهيار الائتلاف الالمانى إلى الدعوة الى هذة الانتخابات والتى أدت إلى تراجع الثقة في الحكومة والطبقة السياسية ككل وقد زاد ذلك من نفوذ الأحزاب الشعبوية والمعارضة التي تستغل الأزمات السياسية لانتقاد النظام التقليدي وتحقيق مكاسب شعبية وحالة عدم الاستقرار قد تخلق حالة من الانقسام والاستقطاب في المجتمع تزيد من احتمالات نمو التطرف والشعبوية وبصفة عامة صعود اليمين المتطرف فى أوروبا قد يؤدي إلى تغييرات كبيرة في السياسات الأوروبية وخاصة فيما يتعلق بالهجرة والأمن ويزيد من الانقسامات الاجتماعية والسياسية في أوروبا ويهدد القيم الأساسية للاتحاد الأوروبي مثل التسامح والتعددية.
ب ــ تولى دونالد ترامب لسدة الحكم فى أمريكا 20 يناير من العام الجارى
كان هناك تفاهماً واضحاً بين أوروبا وأمريكا خلال فترة ما قبل ترامب ولكن فترة شهر العسل انتهت بتسلم دونالد ترامب لسدة الحكم فى أمريكا وقد سبق وأيد دونالد ترامب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هذا بخلاف أن ترامب لدية إعتقاد راسخ بأن الاتحاد الأوروبي تم تكوينه في الأساس لمحاربة أمريكا اقتصاديًّا .
(1) بدأ ترامب منذ بداية ولايته في 20 يناير 2025 فى مواصلة نهجه في استخدام التهديد بفرض رسوم جمركية كأداة ضغط على الاتحاد الأوروبى وفي أواخر يوليو وبداية أغسطس 2025 تم التوصل إلى اتفاق تجارى أعلن عنه ترامب على أنه الأكبر على الإطلاق وفرض رسوما جمركية بنسبة 15% على معظم السلع الأوروبية ورغم وصفه بالإنجاز إلا أن هذا الإجراء يعتبر خطوة سلبية من وجهة نظر الاتحاد الأوروبي لأنه يزيد من تكلفة الصادرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة ويهدد بتباطؤ النمو الاقتصادي في منطقة اليورو، وتوقعت بعض التقديرات أن تؤثر هذه السياسات على الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو وتزيد من حالة عدم اليقين في السياسة التجارية.
(2) انتقد ترامب قوانين الاتحاد الأوروبي الرقمية مثل قانون الأسواق الرقمية وقانون الخدمات الرقمية معتبرا أنها مصممة للتمييز ضد شركات التكنولوجيا الأمريكية وهدد بفرض رسوم جمركية إضافية كبيرة إذا لم يتم رفع هذه الإجراءات التمييزية وقد أثار هذا الموقف ردة فعل قوية من الاتحاد الأوروبى الذي أكد على حقه السيادى في تنظيم أنشطة شركات التكنولوجيا العملاقة داخل حدوده ورفض اعتبار هذه القوانين رقابة أو تمييزا مما يزيد من التوتر في العلاقات الثنائية.
(3) استمر ترامب في انتقاد مساهمة الدول الأوروبية في ميزانية حلف الناتو مطالبا بإنفاق المزيد على الدفاع هذا الموقف يثير الشكوك حول التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن حلفائها الأوروبيين ويدفع الاتحاد الأوروبي للبحث عن استقلالية أمنية وعسكرية أكبر.
ما يحدث على الساحة الأوروبية ومع تولى ترامب لرئاسة أمريكا يؤدى لزيادة عدم الاستقرار السياسى والاقتصادى التى يشهدها الاتحاد الأوروبى وسيؤدى على المدى المتوسط لتهديد كينونة الاتحاد الاوروبى وزيادة احتمالات تفككة وهذا ما اراه واضحا جليا.
ثالثا: أحداث تدفع الدول العربية بمنطقة الشرق الأوسط للاتجاه لشريك استراتيجى جديد
أ ــ فرض ترامب رسوم جمركية على الصين
فى بداية فبراير من هذا العام فرض ترامب رسوما جمركية على الصين بنسبة 10% بالاضافة الى الرسوم التى كانت تفرض على واردات أمريكا من الصين . هذة الرسوم قد دفعت الصين لتكثيف جهودها فى التصدير للدول العربية فى منطقة الشرق الاوسط وهو ما سيدعم من وضع الصين كشريك تجارى مهم يحل فعلا بديلا عن الاتحاد الاوروبى .
ب ــ تدخل ترامب فى حرب ايران واسرائيل
قيام ترامب بالتدخل عندما علم بعجز اسرائيل عن القيام بضربات قوية لايران بضرب المنشات النووية الايرانية وبقوة تدميرية هائلة والتدخل الأمريكي المباشر في الحرب وخاصة لاستهداف منشآت إيرانية حساسة ينظر إليه على أنه تصعيد خطير يهدد أمن المنطقة بأكملها.
وهو ما جعلنا نخشى أن تتحول المنطقة إلى ساحة حرب بالوكالة أو حرب مفتوحة وأن سياسات ترامب تدفع نحو هذا السيناريو. خاصة وأن ترامب بدا غير عابئ بان هذة الضربة يمكن ان تدفع ايران لضرب القواعد الامريكية فى دول منطقة الشرق الاوسط العربية وهو ما كان سيهدد امنها واستقرارها على الرغم من زيارة ترامب قبلها للسعودية وقطر والامارات والتى دفعت لترامب تريليونات الدولارات الهدف المعلن منها أنها لشراء أسلحة واستثمارات وهى فى الأساس ثمن لأمنها وأمان مواطنيها مما سيدفع هذة البلاد دفعا للجانب الصينى والروسى والتركى عسكريا واقتصاديا مما سيؤثر وبقوة على الاتحاد الأوروبى ووضعها الاقتصادى بداخل الدول العربية الشرق أوسطية.
وفى النهاية يتبقى أن نؤكد على أن الاتحاد الاوروبى سيتأثر ولكن أمريكا ايضا ستتأثر فترامب يدفع الصين دفعا لتكون القوة العظمى الثانية بجانب امريكا وليتغير ميزان القوى العالمى من القطبية الاحادية الى القطبية الثنائية فالثابت الوحيد فى هذة الدنيا هو التغير فسبحان الله الذى يغير ولا يتغير سبحان الله القاهر فوق عباده.
الاتحاد الأوروبى وأمريكا.. مصير مجهول
كلمات البحث
إقرأ أيضًا
التويست الأمريكى لوزير الخزانة يكبل كيفن وارش!
«اكسروا الفخ قبل الانفجار»..خطة إنتاجية لإخراج مصر من جحيم الركود التضخمى
CAPITAL MED.. من حلم قبل 10 سنوات.. إلى 140 فدانًا تعيد لمصر ريادة الطب
إيران تحبط ترامب.. لاضغط عسكرى نافع ولا إقتصادى شافع!!
من العبار إلى الحبتور وحتى «رزام».. المواطن المصرى أولا..!!
مصر في مرآة الأونكتاد: هل تتحول الاستثمارات الأجنبية إلى قوة إنتاجية وتصديرية؟
مساندة تاريخية من أمريكا للين اليابانى ليس عطفاً!..بل هى عيون السندات الأمريكية
علامة إستفهام كبيرة؟!.. إلى أين نحن ذاهبون يارجل وول ستريت؟!
الاكثر قراءة
التحرش الاقتصادى العالمى
الدول الكبرى تفرض إرادتها على اقتصادات الدول النامية بالـ«بلطجة» اعتادت أذاننا وأعيننا على سماع وقر...
من أوقع العالم فى فخ الديون التراكمية؟!
تلاشت الأيام وتآكلت المراحل ولاحت آفاق العام الجديد 2026، بينما يستعد العالم لإغلاق دفاتره عن العام...
هل ترتاح الأسواق بعد إنتهاء حفل التخفيض؟!
لاشك أن مآلات المشهد النقدى اليوم بعدما فعلها چيروم وخفض أسعار الفائدة بـ٢٥ نقطة أساس فمن الواضح لم...
الموصى به
هل ترتاح الأسواق بعد إنتهاء حفل التخفيض؟!
لاشك أن مآلات المشهد النقدى اليوم بعدما فعلها چيروم وخفض أسعار الفائدة بـ٢٥ نقطة أساس فمن الواضح لم...
التحرش الاقتصادى العالمى
الدول الكبرى تفرض إرادتها على اقتصادات الدول النامية بالـ«بلطجة» اعتادت أذاننا وأعيننا على سماع وقر...
من أوقع العالم فى فخ الديون التراكمية؟!
تلاشت الأيام وتآكلت المراحل ولاحت آفاق العام الجديد 2026، بينما يستعد العالم لإغلاق دفاتره عن العام...