د. محمد راشد

بين الحقوق التاريخية ومتغيرات الواقع.. هل آن الأوان لإنهاء الإيجار القديم؟

تعدّ أزمة الإيجار القديم في مصر واحدة من تأبرز التحديات القانونية والاجتماعية والاقتصادية التي ورثها المجتمع المصري على مدار أكثر من سبعين عامًا. هذا القانون الذي بدأ بدوافع إنسانية في سياقات استثنائية، تحوّل بمرور الزمن إلى عبء كبير على الدولة والمجتمع، وأدى إلى خلل عميق في العلاقة بين المالك والمستأجر، كما أثّر بشكل مباشر على قطاع العقارات والاستثمار العقاري.

• وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يبلغ عدد الوحدات السكنية الخاضعة لقانون الإيجار القديم حوالي 1.88 مليون وحدة، تمثل نحو 7% من إجمالي الوحدات السكنية في مصر، والتي تُقدّر بـ42 مليون وحدة.

 

• تشير البيانات إلى أن 46.17% من الوحدات المؤجَّرة في محافظة القاهرة تخضع لنظام الإيجار القديم، ما يعكس اتساع نطاق تطبيق هذا النظام في واحدة من أكثر المحافظات كثافة سكانية.

 

• في نوفمبر 2024، قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية تثبيت القيمة الإيجارية للوحدات المؤجَّرة بنظام الإيجار القديم، معتبرة أن ذلك يُعدّ عدوانًا على قيمة العدل وإهدارًا لحق الملكية.

 

 ويستعرض هذا المقال جذور الأزمة، وانعكاساتها على الواقع الاقتصادي والاجتماعي، ويقترح رؤية متكاملة للخروج من هذه المعضلة بشكل عادل ومتوازن.

 

أولًا: خلفية قانونية وتاريخية

يرجع أصل قانون الإيجار القديم إلى تشريعات استثنائية صدرت خلال الحرب العالمية الثانية، كان الهدف منها حماية المواطنين من استغلال المُلّاك في ظل ظروف اقتصادية متدهورة ونقص حاد في المعروض العقاري. ومع تعاقب الأنظمة السياسية والاقتصادية في مصر، تم تمديد القانون وتعديله عدة مرات ليشمل تثبيت الإيجارات وتوريث العقد للأبناء والأحفاد في بعض الحالات. وقد ترتب على هذه القوانين أن استمر ملايين المستأجرين في الإقامة في وحدات سكنية وتجارية بقيم إيجارية رمزية، بينما حُرم الملاك من حقوقهم الأساسية في استغلال ملكهم بحرية أو حتى صيانته في بعض الأحيان.

 

ثانيًا: الآثار السلبية للقانون

1. انتهاك لحق الملكية الخاصة يُعدّ قانون الإيجار القديم مخالفًا للمبادئ الدستورية التي تضمن حماية الملكية الخاصة، إذ يُجبر المالك على تأجير وحدته مدى الحياة وربما لأجيال لاحقة دون وجود سلطة فعلية على عقاره.

 

2. جمود السوق العقارية حوالي 3 ملايين وحدة سكنية وتجارية في مصر تخضع لنظام الإيجار القديم، كثير منها مغلق أو غير مستغل، هذا الجمود يمنع إعادة تدوير هذه الوحدات في السوق ويدفع الأسعار للارتفاع نتيجة ندرة المعروض الفعلي.

 

3. غياب العدالة الاجتماعية يعاني القانون من خلل في استهدافه للفئات المستحقة، فهناك العديد من الأسر القادرة التي تستفيد من إيجارات رمزية في مناطق راقية، بينما يعاني آخرون من ارتفاع أسعار الإيجارات في المناطق الحديثة.

 

4. تدهور حالة المباني نظرًا لانخفاض العائد الإيجاري، لا يملك المالك حافزًا لصيانة العقار، ما أدى إلى تدهور حالة العديد من المباني ووقوع حوادث انهيار، وهو ما يشكل خطرًا على الأرواح والممتلكات.

 

ثالثًا: الرؤية المقترحة للخروج من الأزمة

1. مرحلة انتقالية لتصحيح الوضع إقرار فترة انتقالية تمتد من 3 إلى 7 سنوات يتم فيها رفع القيمة الإيجارية تدريجيًا وفقًا لمؤشرات التضخم وقيمة العقار السوقية، لتفادي الصدمات الاجتماعية والاقتصادية المفاجئة.

 

2. التفريق بين الأنشطة السكنية والتجارية ينبغي التفريق بين الوحدات السكنية التي يعيش فيها أفراد وبين الوحدات التجارية التي تُدرّ أرباحًا. فمن غير المنطقي أن تُستأجر محال تجارية في مواقع استراتيجية بقيم رمزية لا تتجاوز 50 جنيهًا شهريًا.

 

3. دعم الفئات غير القادرة إنشاء صندوق اجتماعي تموله الدولة وجزء من عائدات التصالح أو رسوم التسجيل العقاري، لدعم محدودي الدخل وكبار السن ممن لا يملكون قدرة على دفع الإيجار الجديد.

 

4. تشجيع التسويات الودية فتح الباب لتسويات مباشرة بين المالك والمستأجر، تتضمن عروض تعويض أو خروج آمن، مع تقديم حوافز ضريبية أو تسهيلات قانونية لمن يلتزم بهذه الاتفاقات.

 

5. تفعيل آليات قانونية عادلة إصدار قانون متوازن جديد يعيد تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر بما يحفظ كرامة الطرفين، ويراعي الظروف الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، ويمنع استغلال أي طرف للآخر.

 

رابعًا: تجارب دولية ذات صلة

تجارب دول مثل الهند وفرنسا وإيطاليا أظهرت أن معالجة قوانين الإيجار القديمة تتطلب نهجًا تدريجيًا ومتعدد الأبعاد، يعتمد على التفاوض الاجتماعي، والدعم الحكومي المؤقت، والإصلاح التشريعي المتكامل.

في الهند مثلًا، تم تعديل قوانين الإيجارات بطريقة تدريجية، مع تقديم إعفاءات ضريبية للمُلاك وتوفير إسكان بديل للفئات الضعيفة. معضلة الإيجار القديم في مصر ليست مجرد خلاف على قيمة الإيجار، بل هي أزمة بنيوية تمس حقوق الإنسان، والاستثمار، والتخطيط العمراني، والسلم الاجتماعي.

 

لابد من الاعتراف بأن استمرار الوضع الحالي يمثل ظلمًا واضحًا للملاك، وتشويهًا لأسس العدالة الاجتماعية، وهدرًا لثروة عقارية ضخمة.

 

إن التوصل إلى حل متوازن يتطلب شجاعة سياسية، ورؤية قانونية واقتصادية منفتحة، وتعاون حقيقي بين السلطة التشريعية، والتنفيذية، والمجتمع المدني، لضمان أن يكون الحل منصفًا، عادلًا، ومستدامًا.

بين الحقوق التاريخية ومتغيرات الواقع.. هل آن الأوان لإنهاء الإيجار القديم؟

إقرأ أيضًا

مقالات

التويست الأمريكى لوزير الخزانة يكبل كيفن وارش!

التويست الأمريكى لوزير الخزانة يكبل كيفن وارش!
مقالات

«اكسروا الفخ قبل الانفجار»..خطة إنتاجية لإخراج مصر من جحيم الركود التضخمى

«اكسروا الفخ قبل الانفجار»..خطة إنتاجية لإخراج مصر من جحيم الركود التضخمى
مقالات

CAPITAL MED.. من حلم قبل 10 سنوات.. إلى 140 فدانًا تعيد لمصر ريادة الطب

CAPITAL MED.. من حلم قبل 10 سنوات.. إلى 140 فدانًا تعيد لمصر ريادة الطب
مقالات

إيران تحبط ترامب.. لاضغط عسكرى نافع ولا إقتصادى شافع!!

إيران تحبط ترامب.. لاضغط عسكرى نافع ولا إقتصادى شافع!!
مقالات

من العبار إلى الحبتور وحتى «رزام».. المواطن المصرى أولا..!!

من العبار إلى الحبتور وحتى «رزام».. المواطن المصرى أولا..!!
مقالات

مصر في مرآة الأونكتاد: هل تتحول الاستثمارات الأجنبية إلى قوة إنتاجية وتصديرية؟

مصر في مرآة الأونكتاد: هل تتحول الاستثمارات الأجنبية إلى قوة إنتاجية وتصديرية؟
مقالات

اقتصاد أمريكا.. مثلها «ذو وجهين»!!

اقتصاد أمريكا.. مثلها «ذو وجهين»!!
مقالات

مساندة تاريخية من أمريكا للين اليابانى ليس عطفاً!..بل هى عيون السندات الأمريكية

مساندة تاريخية من أمريكا للين اليابانى ليس عطفاً!..بل هى عيون السندات الأمريكية
مقالات

علامة إستفهام كبيرة؟!..  إلى أين نحن ذاهبون يارجل وول ستريت؟!

علامة إستفهام كبيرة؟!..  إلى أين نحن ذاهبون يارجل وول ستريت؟!


الاكثر قراءة
التحرش الاقتصادى العالمى

الدول الكبرى تفرض إرادتها على اقتصادات الدول النامية بالـ«بلطجة» اعتادت أذاننا وأعيننا على سماع وقر...

من أوقع العالم فى فخ الديون التراكمية؟!

تلاشت الأيام وتآكلت المراحل ولاحت آفاق العام الجديد 2026، بينما يستعد العالم لإغلاق دفاتره عن العام...

هل ترتاح الأسواق بعد إنتهاء حفل التخفيض؟!

لاشك أن مآلات المشهد النقدى اليوم بعدما فعلها چيروم وخفض أسعار الفائدة بـ٢٥ نقطة أساس فمن الواضح لم...

الموصى به
هل ترتاح الأسواق بعد إنتهاء حفل التخفيض؟!

لاشك أن مآلات المشهد النقدى اليوم بعدما فعلها چيروم وخفض أسعار الفائدة بـ٢٥ نقطة أساس فمن الواضح لم...

التحرش الاقتصادى العالمى

الدول الكبرى تفرض إرادتها على اقتصادات الدول النامية بالـ«بلطجة» اعتادت أذاننا وأعيننا على سماع وقر...

من أوقع العالم فى فخ الديون التراكمية؟!

تلاشت الأيام وتآكلت المراحل ولاحت آفاق العام الجديد 2026، بينما يستعد العالم لإغلاق دفاتره عن العام...

تابعونا


جارٍ التحميل...